(هالة)
لمرة أخرى، كنت أجلس على مقعدى المفضل فى الكازينو النيلى الذى اعتمد عليه فى اجتلاب بعض الهدوء إلى حياتى الصاخبة. كوب العصير الذى لم يتغير منذ أعوام .. السيجارة الوحيدة التى أدخنها يوميا فى نفس المكان .. مجلة عالم الكيمياء الصادرة هذا الأسبوع، و مزاجى الشارد كالعادة فى المستقبل الذى لم يتبق منه الكثير.
أحيانا أجتر فى هذه الجلسات بعض ذكريات الماضى الذى اجتهدت فيه حتى أجلس فى يوم و أدعى لنفسى أنه كان مجيداً .. بكالوريوس العلوم قسم الكيمياء .. عضوية الحزب .. رئاسة شعبة الكيمياء .. عضوية لجنة السياسات بالحزب .. مكتب تنمية الموارد البشرية .. إلخ
لا أظن حياتى كانت سيئة، لقد أثبت لنفسى و للناس أننى إنسان ناجح بكل الصور و على كل المستويات، حتى حياتى العائلية كانت هادئة مستقرة و ناجحة أيضا إلى أقصى حد، تزوجت من سيدة مجتمع فاضلة قبلت أن تعتكف الاجتماعيات و تكرس نفسها لبيتها و لى.
كل شئ كان موفقا فعلاً..
لكن قلقا استبد بى فجأة و أضاع الصفاء الذى كنت أرتع فيه، أظننى أعرف تلك المرأة هناك .. أجل إنى أعرفها تماماً !.. تراجعت فى مقعدى بينما عيناى مثبتتان عليها فى دهشة، و باستسلام كامل تركت عقلى يستعيد كل التاريخ الذى ارتبط بهذه المرأة و يضعه بعنف أمام وعيى.
كانت هذه السيدة بنتا يوما ما، و كانت تدرس كغيرها فى المدرسة الثانوية الوحيدة بقريتها و التى كانت أيضا مدرستى .. لا زلت أذكر لليوم جلسات الأولاد التى كانت سير البنات تقتحمها و تستولي على أغلب أحاديثها، كان لكل ولد تقريبا فتاة يدعوها خطيبته و يحكى لنا عنها فى عمر يحاول أن يسرق بعض اللهو من الزمن قبل أن يلج مطحنة الحياة.
كان اسمها هالة .. و لا زلت أجهل حتى الآن الكيفية التى أدركت بها فجأة أنها هناك!، كنت أراها كثيرا بحكم الدراسة و تحدثنا أكثر من مرة، لكننى لا أعلم لماذا أدركتها نفسى فجأة و بدون مقدمات على الإطلاق، لماذا التفتت لما فيها من .. من .. لا أعلم! لكننى أذكر أننى استيقظت يوما فوجدتنى عاشق حتى النخاع ..
بالتأكيد عاشق .. فلو لم يكن العشق هو هذا الذى أشعر به، فماذا يكون؟
حين أراها فإنى أنسى كل شئ فعلاً، تتحول الدنيا إلى أوهام و تكون هى الحقيقة الوحيدة بها، كل نظرة أظفر بها منها تكون لها معنى و قيمة و سر لا يفهمه سواى، كل مرة أرى ابتسامتها أكاد أطير من الفرح لفرحها و أكاد أموت من الحزن لعلمى أن البسمة ستزول. كل كلمة تصدر منها موجهة لشخصى تعنى فجرا يشرق فى حياتى و نورا به أهتدى، أحث أذناى على السمع عساها تظفر بكلمة أخرى و آه حين تنطق اسمى .. فذلك حدث جسيم، أحفظه بصوتها و أدعو كى لا أنساه و أكبر و أتعاظم و أجتهد كى أبدو جميلا رائعا كإسمى كما تنطقه هى. و آه حين أرى اسمها مكتوبا .. أكاد أقسم أنه ليس اسما كبقية الأسماء، إنه كيان تام كامل لا يحتاج أحرف و لا همزات و لا نطقا و لا فهما كى يدركه الناس، إنه حى كما الناس أحياء أو أكثر.
كنت أشعر عند رؤيتها أن كل ما كتبه الشعراء عن هذا الذى أنا فيه أتفه من أن يصفه حق الوصف، حقا هو شئ يختلف، هو لغز أسمى من الحياة نفسها فكيف نفهمها خلال حياتنا الدنيا.
لم أكن أعرف ما أبغيه منها، فتلك قيمة لم تخلق كى يكون لها هدف أو مصلحة أو مغزى، إنها تسمو فوق الكلمات و الصفات لتغدو كونا مستقلا تأتينا منه كل رحمة الدنيا و كل جمالها. لم أكن أفكر فيها كزوجة و لا كحبيبة و لا كأى صفة قرابة مما اصطلحنا على تسميته كنت أفكر فيها على أنها (هالة) و لا شئ أكثر.
لكن حلما بهذا الجمال لم يدم للأبد، و لم يكن له أن يدوم .. ربما لو دام لما كان بتلك الروعة ..
ففى يوم وجدتهما جالسين، متناغمين، متلازمين، يضحكان سوياً فى سلام يحسدهما عليه أي إنسان..
كان اسمه أحمد، و قد كان صديقاً لى، و كان شخصا عزيزا و انسانا نبيلا .. ليس من أهل التشاجر و لا من أهل النميمة و لا يذكر أحد منا أنه سبه أو ذمه أو آذاه فى شئ .. شخص يبتسم على الدوام و يلهم كل من يراه التفاؤل و اشتهاء الحياة. و بلا جدال قد كان أحق بملهمة الحياة منى.
كنت أتمنى من أعماقى أن أكرهه و أكرهها لكننى لم أستطع .. رجل صالح و فتاة طيبة .. هكذا هما و ليس لى عليهما حجة..
و كما استيقظت فى يوم لأجدنى عاشق .. استيقظت فى يوم لأجد النار التى أرتنى سر الحياة قد خبوت و بهتت و أنا عاجز عن إنقاذها بل إنى فاقد للرغبة فى ذلك.
و ضاع أغلب اهتمامى بها و به و مضيت أبنى نفسى و مستقبلى بينما طويت قصتى مع هالة من قبل أن تكتب.
لكن اليوم .. تذكرت الحقيقة التى تناسيتها زمنا، و تذكرت نفسى التى اختبأت خلف طموحات لا تتوقف و تذكرت حلما عز أن يدوم، الآن فقط أرى كل الماضى بشكل جديد.. لم أعد أراه مجيدا و لا فريدا.. صرت أراه هباءاً بلا معنى أو غرض أو هدف..
تذكرت كل ما ارتكبت من اجل ارتقاء المناصب فى الحزب .. تذكرت كل أعمالى من أجل رئاسة النقابة .. تذكرت زواجى الذى اضطررت إليه حين كان أخو زوجتى أمينا للحزب..
تذكرت كل لحظات التخطيط و التدبير و الصبر الماكر .. تذكرت كل نظرة و لمسة و همسة خبيثة مرت بى..
حتى الحاضر صار عفنا يفوح بالسخف و الإسفاف و لا يشي إلا بعبث فوق عبث ..
الآن ليس لكل ذلك أى قيمة.. لم أعد أفهم حتى كيف عملت كل هذا الوقت، أأنا حقا بهذه القوة؟ أم بهذا الشرور؟
حين لمحت قبسا من النور الذى أنار دنياى يوما أدركت زيف كل ما أنا فيه من أضواء.
كانت هى قد غادرت منذ زمن و أنا لا زلت أحدق فى بوابة الخروج..
رن الهاتف.. لمحت اسم المتصل (أمين لجنة السياسات) .. ابتسمت أعماقى ساخرة و إن عجزت شفتاى عن ذلك ..
ضغطت على زر (صامت) و قمت لا ألوى على شئ..
تمت بحمد الله
أحمد خليفة
2/6/2007
No comments:
Post a Comment