Friday, March 16, 2007

فى الانتظار

"فى الانتظار"


لم أكن شخصا محبوبا .. كان ذلك معروفا عنى.. و بإمكانك أن تتأكد ببساطة من أي جار لى أو قريب أو معرفة..

لم أكن ذلك الشخص الذى تستريح له .. أو لمجالسته أو حتى لأن تشترى من بقالته شيئاً، و لكن لأنها الوحيدة فى الشارع، فكثيرون يضطرون للقيام بمغامرة الشراء من عم موسى السمح و هو اسم محدثكم.

و بصفة غالبة أنا أعامل كل الزبائن على أنهم عملاء لمرة واحدة، بعكس المنطق المعروف جدا لأى تاجر، فالذى يشترى مضطرا مرة لا يكررها و لو صارت بقالة موسى السمح هى آخر بقالة فى العالم.

فأنا رجل صارم، لا أحب طلبة المدارس المراهقين لأنهم خبثاء ولا الشباب لأنهم متكبرون ولا الأطفال لأنهم متعبون ولا سيدات البيوت لأنهم مملون ولا العجائز لأن بالهم أطول من تيلة قطن الهند ولا أساتذة الجامعة لأنهم يرتدون البدل دوما ولا الأطباء لأنهم يمتصون دم الغلابة ولا الكهول لأنهم يطلبون كبريتا على طول الخط ...

فيما عدا تلك الفئات أنا على استعداد لتقبل الزبون بكل .. بنوع من الاحترام و التقدير، فبين كل حين و آخر يمن الله علي ببنت كالبدر أتت لتشترى شيئا ما.. لكن كالمعتاد فهى تأتى مرة واحدة فقط ..

و الحق أنى كنت أتساءل عن سبب الراحة التى تتبع حركة (غتاتة) على أحد الزبائن .. ربما كانت لذة السيطرة أو لذة النصر المؤقت أو لذة فعل ما أريد وقت ما أريد..

أيا ما كان الأمر، و برغم أن البقالة لم تعد مربحة جداً .. فأنا سعيد لما أنا عليه .. سعيد لكل مرة أتشاجر فيها مع أحد الزبائن المتعجرفين .. و سعيد لكل مرة أعطى فيها أحدهم قلما أحمر بينما هو يريد واحدا أزرق – و تلك هى حكمة أن تأخذ الفلوس أولا – و أكثر ما يطربنى هو نظرات الغل العاجزة التى أراها فى عيون ضحاياى، أو زبائنى السابقين ..


لم يكن لى من أصدقاء حقيقيين فى الشارع سوى الحاج جودة صاحب محل الأدوات الصحية المواجه لبقالتى .. كنا من نفس العينة تقريبا و إن كانت تجارته أكثر رواجا من تجارتى ..

على كل .. دارت الأيام بنا .. تغير لون ليالينا كما يقول العندليب .. و أبقى على حالى .. بدينا مرتديا جلبابى الأزرق و الشال الأبيض على كتفى .. مدليا رأسى على صدرى متمتعا بمداعبة شاربى الذى أبيض أكثره لخدودى التى لا لم تخل يوما من شعر الذقن الخشن .. مستمعا بإنصات إلى عبد الحليم.. منتظرا أن يرسل الله ضحية جديدة لا يعلم ما ينتظره تحت لافتة " بقالة موسى السمح"

و فى يوم لم تطلع له شمس، أتى شاب و جلس على الرصيف المجاور لبقالتى..

ربما لا يزعج هذا الأمر أيا منكم لو كان جلوس الشاب لمنفعة أو لمدة طبيعية..

لكن ملامح وجهه كانت تشى بانتظار لا شك فيه، إذاً فهو ينتظر أحد .. فتاه .. لا .. ما كان ليجلس على الرصيف لو كانت موعده مع فتاه، كل طفل تخطى العاشرة يعرف قواعد المواعدة أحسن من أبيه نفسه..

ربما كان فى انتظار أحد الرقعاء من زملائه.. لكن على كل .. أيا ما كانت هوية الشخص الذى ينتظره فلا يمكن أن تبرر جلوسه لثلاث ساعات كاملة بنفس الثبات و نفس درجة التأفف و نفس البرود ..

لا أحد يصبر فى انتظار أحد لمدة كتلك ..

لكن .. لأدقق فى ملامح الفتى .. فأنا أعرف من الوجه قصة حياة صاحبه .. إن لى فى ذلك حكايات أيام كنت فى الجيش .. ذكرونى أن أخبركم بها لاحقا ..


لم تكن ملامحه تشى بأى نوع من الخطر، لا يبدو أنه من أهل ذلك أبدا، بل على العكس كانت بسيطا هادئا نوعا، و لا تشى ملامحه الصريحة بشئ سوى الانتظار .. الانتظار الدءوب .. الممل ..


لا تتغير درجة انزعاج الفتى من تأخر ذلك الذى ينتظره، ذات الحركات .. النظر للساعة .. النظر للمارة .. للأرض .. للسماء .. لجانبى الشارع .. و لا شئ سوى ذلك .. كلها حركات عادية قد يؤديها كل من هو في موقعه إذا غاب من نواعده لربع ساعة مثلا .. لا لست ساعات حتى الآن ..


لم أعد أتحمل .. دنت الساعة من التاسعة مساءاً.. و حان ميعاد إغلاق المحل .. و لا زال ذلك الملعون جالسا باستكانة تثير الغيظ..

لم يكن يجلس على مقربة حتى انهره، مطالبا إياه بالذهاب بعيداً، و لكنه كان على مسافة بعيدة على الإدعاء بأنه مصدر ضيق لى، و إن كان فى مجال رؤيتى المباشرة..

أغلقت المحل بهدوء أعصاب منتويا أن أبدأ مشاجرة جديدة مع ذلك المأفون الذى حسب أن رصيف موسى السمح هو بلاج أو شاطئ للاستجمام ..

أمسكت بالعصا العزيزة و بالخنجر السعودى، و وضعته فى جيب الجلباب الخارجى .. لابد من الاحتياط لكل الاحتمالات، لا أعلم فربما كان للشاب سند لا أدريه..


بتماسك تام خطوت باتجاه الشاب .. ثم و بقسوة لا حد لها متعمدا إبراز أكبر حجم ممكن من الغلظة فى كلامى و نبراتى و لهجتى قلت : انت يلا ..

فالتفت ببساطة و هدوء لا يوصف و رد: نعم يا عم الحاج ..

بمنتهى الأدب و الرصانة و كأن منظر العصا المرفوعة و وجه حاملها الذى ينتوى الشر لا يهمه فى شئ ..

بصراحة، أحسست أن قدرا من الهدوء قد نال منى.. لا يمكن أن أصف مدى الهدوء و السماحة و الابتسامة بالغة الوقار و الثقة المهذبة و السلام النفسى الذى كان يبدو على وجهه فى تلك اللحظة التى كان يواجهنى ..

و فى لحظات، بدأت أتخلى عن رغبتى العارمة فى ضرب الفتى أو هدر كرامته على أقل تقدير .. و تدريجيا بدأ إحساس بالتعجب يحل محل الكراهية .. إحساس بالاستغراب و الاندهاش من تلك السلامة النفسية التى يتمتع بها ذلك الشاب ..

و طول الطريق إلى البيت لم أستطع منع نفسى من التفكير فيه و فى اللحظة الغريبة التى تحول فيها شعورى نحوه .. من الغيظ الى الاعجاب و التأمل ..

لم أكن أصدق أن إنسان ما من الممكن أن يملك ذلك القدر الخيالى من البراءة .. مستحيل.. كل كيانى كان يرفض بعنف أن يكون هناك بشر بتلك الملائكية البادية ..

لابد أن ذلك الفتى ممثل بارع جدا، و لا مراء أن قلبه هو عكس ما يبدو على وجهه .. لا زلت مؤمنا بقولة أبى رحمه الله "ماعدش حد أهبل فى الزمان ده"

فكرت و أنا فى منتصف الطريق أن أعود الى الفتى و ألا أبرحه إلا مصابا أو قتيلا .. لكننى عدلت عن الفكرة التى ستكلفنى – على الأقل - نوم ليلة كاملة .. و فكرت أن الأمر مهما طال فلن يتجاوز يوما ..

تصبحوا على خير .. إيه هتدخلوا معايا البيت كمان .. أما بجاحة صحيح ..

خخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخ


صباح الفل .. لا أدر سر السعادة التى تعترينى هذا الصباح ..

بينى و بينكم (قفشت) نفسى تفكر فى ذلك الشاب الذى كان يجلس طول اليوم بالأمس أمام المحل .. لم أسترح لأنه ترك ذلك التأثير فى نفسى من مجرد كلمة واحدة و موقف لم يتعد ثوان .. لكننى تصارحت مع نفسى فى نهاية الأمر فمهما بلغ تأثير الفتى فهو قد انتهى فلن أراه ثانياً أصلا .. و ربما كان هذا هو سر السعادة التى شعرت بها ذلك الصباح .. فلن أرى ( بوز الإخص ) هذا ثانية ..

لكن سعادتى تلاشت عندما وصلت للمحل .. و حل محلها ذهول لا حد له.. لقد كان الفتى لازال فى مكانه جالسا و قد بدت علامات إعياء السهر عليه .. لا زال جالسا فى نفس المكان بالضبط و بنفس درجة الانتظار ..

لم أجسر أن اكلمه هذه المرة.. فتحت المحل بصمت و جلست فيه مفكرا فى أمر تلك المصيبة التى هبطت من حيث لا أعلم ..

و أخذت أسترق النظر إليه شاعرا بعجز سخيف لم أعتده فى نفسى أبدا ..

لم أتخيل أننى الآن أخاف فتى فى نصف حجمى .. لمجرد أنه بسيط أكثر من اللازم .. و لأنه ينتظر أحدهم منذ 18 ساعة ..

كان وجوده ضربة لكيانى و شعورى بالسيادة .. فهدوؤه كان يثير غضبى .. و بساطته و تواضعه كانا يثيران غرورى ..

جلوسه ل 18 ساعة متصلة لينتظر كان يشعرنى بالضآلة و يهين إعتقادى بقدرتى على فعل ما أريد وقتما أريد ..

لم أكن أحسب أن إنسانا يمكن أن يتحدى بروتوكولات البشر و قواعد اللياقة و الأصول و المعقول و الطبيعى و المنطقى و يحطمها لهذه الدرجة ..

أطيل النظر خلسة .. ثم تنحرف عيناى عندما توشك على ملاقاة عيناه رغما عنى .. لا تجرؤ عيناى على مواجهة عيناه ..


و لم أتمالك نفسى من الابتسام المرير .. أنا موسى السمح الذي يخشاه هذا الشارع كبيره و صغيره .. يهاب من فتى ضئيل لأسباب أتفه من أن تشرح..


و لم أنتبه من تأملاتي إلا على مرأى الحاج جودة قادم نحوى و هو يختلس النظر للفتى ثم قال لى : إيه حكاية الواد ده ؟

فأجبت : أنا عارف !!!

فقال: مفيش بنى آدم عاقل يقعد مستنى حد يوم بحاله .. الواد ده باينه مجنون ...

رددت فى رهبة: مجنون ..

و بغتة أضاء جزء فى عقلى .. كانت الكلمة كما تبدو هى الحل الذى يفسر كل شئ بل و يعيد لى اعتبارى أمام نفسى .. لا حل سوى هذا .. ذلك الفتى مجنون لا شك فى ذلك ..

فقلت له: طب يلا بلغ العباسية و أنا هبلغ البوليس ..

فقال و ماله ..

و بعد دقائق كان الشارع على موعد مع أكبر تجمع شهده منذ مظاهرات 77، كان الضابط يستوجب الشاب فى قسوة بالغة

- انت قاعد ليه هنا من امبارح يلا ؟

+ قاعد مستنى واحد صاحبى ، بذات الهدوء و البرود و التسامح مع مسحة من الإرهاق الناجم عن السهر مما زاده براءة و رهافة و مما أزادنى غيظا و انتفاخاً!!!

  • صاحبك مين ؟؟

+ واحد صاحبى حضرتك ماتعرفوش !!!


و لم أعد أحتمل أكثر .. لم أكن أكترث أصلا لما يقول .. لم أعد أحتمل مرآه و وجوده .. لابد أن يبتعد هذا اللعين عن شارعى و عن عالمى .. لابد..

و صرخت : يا باشا الواد ده مجنون، و عهد الله مجنون ..

فسأل : ليه يا أخينا ؟

فقلت : دا طول الليل إمبارح قاعد خالع هدومه على الرصيف .. و كان عايزنى أغسلهاله

تعجب الناس طبعا، فقلت: الكلام كان بالليل قوى محدش غيرى كان موجود .. أقول له عيب يا بنى دا أنا قد أبوك .. يقول لى كلام كله هلفطة مالشرق على الغرب و يقول لى اغسلى خدامة أدب سيس خرسيس يللا علشان ماما مستنيانى قدام الأوبرج ..

ضحك كل الواقفين ضحكاً ممزوجا بالعجب و التشكيك فى أن يحدث هذا لموسى السمح نفسه ..

و أكملت: صدقنى يا باشا والله ..

و لم ينبس الفتى بكلمة، كل ما فعل هو أن اتسعت عيناه بشكل غريب، ربما كان التعبير الذى أراد أن يوصله .. هو الذهول أو الاحتقار أو الخوف أو الغضب أو كلها مجتمعة..

- أوبرج !! دا انت ليلتك زرقة .. و أشار لرجال المصحة إشارة كلها عزة و جلال: خدوه ..

و فى ثوان كان الفتى ملفوفا فى الدبلان الأبيض مجرورا إلى سيارة البوليس ..

و خلال دقائق كان الجمع قد انفض.. و عاد كل لحال سبيله بعد أن كسب كل منهم حكاية يحكيها لكل من لم يحضر أو يرى.. و يفسرها على هواه و يضيف عليها ما يضيف ..

و رغم أنني لا أظن أنى سوف أنسى نظرة الفتى إلى بينما يجرونه، لكننى أعلم أن الموضوع قد حل و أن ثقتي قد ردت..

أخيراً، سأجلس مستريح البال...


تمت

أحمد خليفة

كفر الشيخ 2004

No comments: