"أحلام ظهر صيفى"
يا سلام .. ما أحلى التمتع بركوب (عجلة) تجرى تحت شمس الصيف .. شعور لذيذ يخدر النفس و يطمئن القلب .. ربما هو الشعور الزائف بالأمان و بقدرتك على الفرار متى استطعت من أي خطر كان.. صحيح أن العجلة ليست طائرة .. لكنه ذلك الإحساس الساذج انك قادر على أن تسبق الآخرين و تتخطاهم ..
لا تهمنى نظرات احدهم التى تحمل إما تهديدا أو استخفافا أو سخرية .. فلن تدوم سوى لحظات امرق بعدها الى بعيد .. بعيد جدا .. بعيد عنه و عن كل الناس ..
متعة لا توصف و أنت تشعر بقدرة على البعد عن الناس و العودة إليهم متى شئت .. لا يمكن ان تعتبر نفسك بين الناس و انت تجرى بعيدا عنهم .. دائما بعيدا عنهم .. لذة البعد و الغوص فى عالم هادئ رصين رطين ليس به عكارة نظرة أو كلمة او تهديد انسان إلا لحظات .. تلك اللذة كانت تكتنفنى بعمق .. مثلجة قلبى .. فاشد على قدمى ان تزيدا من التبديل .. لازداد بعدا و ابتعادا ..
طول عمرى الذى لم يتجاوز الثمانية عشر عاما و أنا أخشى الناس، منذ الطفولة المبكرة و أنا أعانى منهم. ربما كان ذلك خطأً فى التربية التى أفرطت فى الحفاظ على داخل البيت خوفا من الحسد و العين باعتبارى ذكراً، أو ربما كان عيباً جسمانياً وهبنى جسداَ واهناً و (مربربا) مضحكاً فى الوقت ذاته، ربما كان قدرا أن أكون من المستضعفين في هذه الدنيا.. لا أعلم يقينا.
منذ عمر بعيد فعلا صدمت بحقيقة أنني لست أهلا للتعايش مع البشر! ربما البشر على شاكلة من حولي و هم من النوع الذي لا يمكن أن يكون خيرا أبدا. مهما كان المبرر فلا سبب يدعو أحدهم لأن يحيل حياة آخر إلى جحيم حقيقى يحرمه نوم الليل و صفاء الصباح. احيانا أفكر أن هذه طبائع الأمور، و أن من الحق الطبيعى للقوى أن يستخدم قوته كما يحلو له مع من هم أضعف منه، من حقه استخدام ما لديه من سطوة ساخرا منهم و مهينا لهم و لمن يحبون و لما يعملون، و مدمرا كل ما يرونه جميلا فى الحياة فارضا عليهم إما أن يعيشوا فى ذلة و هم صاغرون راضون بأن يحيوا بلا كرامة أو إنسانية أو ليبحثوا لأنفسهم عن قبر يختبئون فيه بعيدا عنه.
ربما كان هذا قانون الحياة نفسه، و إلا لما تطورت الكائنات الحية من فيروسات دنيا إلى ديناصورات ضخمة ثم بشر أذكياء. لكننى وجدته قانونا قاسيا، حتى و لو كان طبيعيا.
و وجدت فى الدين الملاذ. فهو المنطق الوحيد الذى يمكن أمثالى من أن يوجدوا و يعيشوا، إنسان ليس لديه قوة الذراع و لا قوة اللسان و لا حتى حب حياة يمكنه من ابتلاع مرارتها راضيا و لا حل له فى أى عراك إلا أن ينهزم، فهو لن يضرب لأنه ضعيف و لن يهرب لأنه بدين!!.
أدركت وقتها لماذا بعث الله أنبياءه مبشرين بعالم يتساوى فيه القوى مع الضعيف و الغنى مع الفقير أمام عادل واحد مطلق فى قدرته، لأنه بهذا فقط يمكن للناس أن يعيشوا قادرهم مع عاجزهم و يمكن للرحمة و المحبة أن تسود بينهم، فتنتفع الجماعة بما يعمل كلاهما.
على كل، لا أظنني قد سعدت منذ مدة بعيدة كسعادتي بهذه العجلة التي مكنتني من تأمل الناس و أعفتني من تحملهم.
لكن لأحاذر بشدة .. فلو حدث و اصطدمت بأحدهم، فلن يكون خيرا أبداً..
############
فلأحاذر حتى لا يغبر التراب الحذاء أو البذلة ..كيف يمكن أن يمشى المرء على كل هذا التراب دون يغبر شعر رأسه نفسه؟؟!
لأنقل قدمى ببطء بين هذه العوائق..
لم يعد هناك حل سوى ان انال هذه الوظيفة .. لابد بكل السبل الممكنة و الغير ممكنة أيضا ..
بلغ صبرى منتهاه .. طول النهار و طول الليل انوء بحمل كلمة (عاطل) .. اتعرف على الناس بحذر خاشيا ذلك السؤال اللعين : "انت بتشتغل ايه؟" الذى يقترن دوما بالإجابة المريرة الساخرة فى نفس الوقت :"شغال مع نفسى!!"
برغم أنى لم آلو جهدا طيلة عمرى .. لا أدعى أنى كنت طالبا فذا أو متفوقا ، لكننى كنت متوسطا كأغلب الناس، درست فى مدرسة حكومية كأغلب أهل هذا البلد، و حين جاءنى ترشيح مكتب التنسيق لكلية التجارة لأن المجاميع كانت مرتفعة فى دفعتى و لأن كوب الشاى الذى أتى للمصحح الذى صحح لى امتحان الكيمياء لم يكن ثقيلا بما فيه الكفاية فأعطانى أصفارا موفرا مجهوده، لم أتمرد و أعلن العصيان و الاعتكاف ، و حين حاولت اقناع والدى برفع قضية لإعادة التصحيح و رفض لضيق الحال لم أشكو ، و رضيت بما قسم لى من نصيب.
و فى الجامعة، لم أكن ذلك الذى يشار إليه على أنه متفوق أو قوى أو حتى زير نساء. كنت شخصا آخر كأغلب طلبة الجامعة الذين يعتبرون الشهادة هدف التعليم الجامعى لا دليلا عليه كما يفترض. و تحملت سخافات القدر و كل المصائب التى مرت بى فى سكون و صبر، من وفاة والدى و الاضطرار للعيش بمعاشه المتواضع إلى الدكتور محمد يسر الذى تسبب فى رسوبى أربع مرات فى مادته (إدارة الموارد البشرية) فلم يرحمنى منه إلا أن توفاه الله فى حادث، إلى هدى نشأت التى عشت معها أجمل أيامى و أنا أشرح لها مادة المحاسبة التى رسَبَت فيها عدة مرات و تلميحاتها الخجول "عنا" و ايتسامتها العذبة التى كانت تطربنى و تداعب احساسى بالرجولة و الانسانية؛ ثم علمت بعد مدة بخطبتها إلى معيد مادة المحاسبة!!.
على كل، فقد نلت درجة البكالوريوس فى آخر الخط .. لكننى لم افعل به شيئا .. و لم استطع العثور على عمل يصلح على الاطلاق. أحيانا اتساءل كيف يصير أحدهم وزيرا أو محافظا أو سكرتيرا عاما أو حتى سكرتير عام مساعد ؟؟!
ألا يحمل كل هؤلاء بكالوريوسا أيضا؟؟
ثم ماذا عن أولئك النصابين الذين يفتتحون مكاتب لتدريب المسافرين إلى الخارج؟!! و هل يحتاج المسافر للخارج إلى شئ إلا تأشيرة سفر و تذكرة طائرة؟؟!
ثم إخوانهم ممن يفتتحون (شركات) لتدريب المهارات القيادية؟؟! يا سلاااااام!!! و حسبما قالت والدتى عندما أخبرتها ضاحكا عن هذه الشركات: "يعنى الشركات دى .. بتبيع إيه ياخويا؟!"
هيه .. حظوظ
لكن بغض النظر عن كل شئ حدث و أى شئ ممكن أن يحدث.. لم يعد هناك أمل لدى سوى تلك الوظيفة لأكون انسانا له عمل يحلم بالنجاح فيه و يبنى منه مستقبلا و يفتح بيتا و يكون أسرة.. أنا ككل أبناء هذا الجيل .. موافق بالثلث أن أكافح و أتعذب و أعانى الأمرين حتى أصل الى النجاح، شريطة أن أعرف طريقا يوصلني إليه و لو بعد حين..
عموما لآمل فى رحمة الله، لقد تكلفت الكثير من أجل تلك البذلة و ذلك الحذاء.. و لن أسمح لكل ذلك المجهود و المال أن يهدر..
أخبرونى أن ذلك المدير حازم جدا بشأن المظهر العام.. و بالتالى كان لا مفر من تأجير تلك البدلة و استعارة ذلك الحذاء.. و استدانة عشرون جنيها لزوم التاكس و خلافه.
"ربنا يستر و النهارده يعدى على خير"
###
تجمع الناس حولهما بين مفرق و مستفهم و متفرج، و حكى من رأى لمن لم ير، أن فتى كان يركب عجلة فصدم بها شابا فقطع له (جاكت) البذلة التى كان يرتديها، فما كان من صاحب البذلة إلا أن صرخ فيه: "الله يخرب بيت أبوك ، قطعتلى الجاكت يا بن الكلب ضيعت منى الشغل"
و انهال عليه باللكمات و الركلات و الشتائم المقذعة و الفتى يصرخ و يبكى محاولا الفرار: "حرام عليكم كفاية بقه" حتى فرقهما الناس فابتعد الشاب حانقا و هو يسب أديانا للفتى.
تمت بحمد الله
أحمد خليفة
القاهرة فى24/1/2007
No comments:
Post a Comment