Sunday, March 18, 2007

تلك الرائحة

تلك الرائحة

منذ فترة.. بدأت أشم رائحة غير معتادة..و غير حميدة أيضاً..
أشمها في أي مكان و أي زمان.. كما لو كان خُبثاً قد أُلصق فوق شاربي..
لم أُعر الأمر اهتماماً كبيراً في البداية، لكن مع الوقت فاقت الرائحة كل احتمال و كل تصور..
الرائحة بأمانة مميزة جداً، لا تشبه أي رائحة معروفة حتى أستشهد بها، لكنها – وهذا كل ما أستطيع قوله- خبيثة بكل ما تعنى الكلمة.
لا يمكنك أن تجلس رائق البال و هذه الرائحة تزكم أنفك، و المصيبة أنك لا يمكن أن تبرر الاشمئزاز و(القرف) الباديان على وجهك لأي إنسان بأنك تشم رائحة قذرة..فسيظن أنك تسبه على الأرجح.. فهو لا يشم أي عفن من أي نوع.
ظننت أولاً أن البيت غير نظيف.. لكنني عدلت عن هذا الظن إذ أن الرائحة تلازمني في أي مكان أذهب إليه.
حاولت مقاومة الرائحة بشتى أنواع العطور.. غير أن ذلك لم يجد كثيراً..فالرائحة طاغية.. قد تتوارى ساعة لكنها تعود من جديد.
كل يوم أنام فيه على أمل أن أصحو فلا أشم تلك الرائحة البشعة، أو حتى أن أصاب بزكام يمنعني من الشم ولو مؤقتاً، لكن هيهات..فالكوارث لا تأتى لتذهب بلا خسائر.
تأثرت حياتي كثيراً بهذه المصيبة، من المؤكد أن تركيز أي فرد سيقل إن لم ينعدم لو كان مكاني.. فتأثرت عملياً بشدة.. حيث وجدت ضيق صدري يمنعني من اتخاذ قرارات صائبة مما أثر على أعمالي بشكل مدمر.. وواقع الأمر أن هذا ما دفعني للبحث جدياً عن حل لهذه المشكلة فقد تحولت من مزحة قدرٍ ثقيلة إلى كابوس فعلى يهدد حياتي ومستقبلي.
فكرت في البداية في استشارة طبيب.. وهو ما حدث فعلاً، غير أن (الدكتور) لم يستطع أن يفيدني بشئ يذكر.. كل ما فعله هو أن أكد لي أنني عضوياً سليم ولا يوجد أي مشاكل طبية ملموسة، وأن التفسير المحتمل لحالتي هي الهلاوس الحسية، وأن على استشارة طبيب نفسي.
وقتها كان مستحيلاً علي فعل شئ كهذا.. فلم أكن أقبل ذهابي لتلقى العلاج النفسي لأي سبب كان.
وبعد شهر بالضبط من ذلك القرار انتهت مقاومتي وقررت الذهاب ولو إلى جهنم من أجل حل هذه المأساة.
كان الرجل (الطبيب النفسي) وقوراً رزيناً وهو ما شجعني على الخوض معه في الكلام بلا حرج.. ولم يقتصر حديثنا علي شكوتي فحسب بل امتد ليشمل كل أوجه حياتي تقريباً حتى أوشك هو أن يعرف عني ما هو أكثر مما تعرفه زوجتي.
قال لي في النهاية أنني شخص حساس بشكل غير عادي.. هذه واحدة.. الثانية أنه يتوجب علي شكر الله تعالى أن كانت الهلاوس عن طريق الشم فلا شك أن هلاوس الإبصار أفظع وهى الأقرب للجنون الرسمي كما يقال.
الثالثة أن الرائحة المريعة التي أعاني منها باستمرار هي من دون شك، انعكاس لشئ مقيت موجود في عالمي و أنا متأثر به لدرجة عالية.. الرابعة-وهى المؤسفة- أنه وبعد كل حواري الطويل معه لم يقدر أن يحدد القذارة التي أعاني منها وسببت لي هذا العذاب.. والخامسة أنه برغم كل شئ يتوجب علي أن أراجع سجل حياتي وأحدد ذلك الشئ المنفر الراقد بين الضلوع.
و أعطاني في النهاية موعداً آخر للقاء ثان عله يفيد عن الأول.
لكنني لم أذهب.. أتعلمون لم ؟
لأنني عرفت من أين أتت الرائحة..
فبعدما انتهي اللقاء كنت متضايقاً بشدة، فآثرت التسكع في الطريق ساعة.
وبينما أنا في سيري و همي..
تأملت الناس.. تأملت كلامهم وأفعالهم وتصرفاتهم.. تأملت أنانيتهم وغطرستهم ورغباتهم..تأملت وربما لأول مرة تلك الرؤوس التي من التعقل فرغت.. والقلوب التي بالتكبر ملأت.
لحظتها فقط عرفت مصدر القذارة و أصل البلاء.

انتهت
11/7/2005

No comments: