Sunday, March 18, 2007

اكتئاب

اكتئاب

حين تكون مكتئبا لا طعم للحياة .. ولا رائحة ..ولا شكل..
فقط احساس مستمر ثابت بظلام لاتدر مكانه ..
ظلام يغلف روحك.. يضبب الرؤية .. يعميك عن كل جميل طيب ..

أنا كنت مكتئبا ذلك اليوم.. قد لا تكون مهتما بإكتئابى .. لكننى و لا شك أهتم ..

لا أطالبك بالاهتمام لكننى أناشدك بألا تسخر .. فلن تكسب من سخريتك منى و من همى إلا شعور لحظى زائف بأنك الأقوى و الأعظم و الأبرع ..

لكنك ستحملنى ألما فوق ألم و غما فوق غم ..

ظللت اسير على غير هدى.. ارمق الناس .. والشوارع والمبانى بذات النظرات .. تراخ رهيب يشل كل خلاياى و ثقل خرافى يطبق على كتفى و يجبرنى على الانحناء ..

رغبة لا حد لها أن أشق صدرى و أقتلع قلبى الذى كان يخيل لى أنه ينبض ألما لا دما ..


كان الحزن هو العنوان واليأس هوالقصة ..
واليأس فتاك لا يرحم .. لا يبقى قوة أو يترك نخوة ..


كذا ظللت اسير .. كم من الوقت سرت؟
لا ادرى .. ربما ساعة أو يوما أو لحظة ..
لكننى لم التفت الى احد ولم اكترث لمنظر .. الا هذا الرجل وذلك المنظر..
كان حزينا .. لا..
كان مكلوما .. ذاك هوالوصف الأفضل..
كان على الجهة الاخرى ..
بدا لى ان شيطانا بداخله ينازع..
وأن وحشا تحت جلوده يزأر..
وجدته ينظر لشئ ما .. يطيل النظر .. تعجبت ..
ماذا الذىاليه يهفو ..
اااه انه مسجد .. كان ينظر اليه نظرة المستغيث فعلا ..
بدا كالغريق حين يرى طوق النجاة عن قرب..
وجدته يتجه الى المسجد فى خطوات اقرب الى اعدو الأعرج ..
تفكرت .. لماذا لم افكر فى المسجد ؟
انه الحل لكل هم أو كرب ..
لماذا لم أجرب أن القى همومى بين يدى الله؟
انى افى حاجة الى ذلك فعلا..
واخذت اعبر الشارع .. فبدا لى العبور الى المسجد عبورا الى الامل والحياة
لم تكن السيارات سوى وحوش الحضارة تمنعنى من لحظات الصفاء و التحرر من كل حاجة للبشر و التلهف لحاجة الإله ..

وحين دخلت المسجد .. صليت كما لم افعل .. بكيت .. ابتهلت .. نسيت نفسىفى تلك الصلاة التى لن انساها مهما حييت..
العجيب انى لم الحظ الرجل بين المصلينلكننى اذ خرجت وجدته امامى ..

فسألته شاعرا براحة لا حدود لها و راغبا فى مد اى حوار مع ذلك الذى كان سببها : امال مشفتكش جوه ليه يا استاذ؟

فتبسم وقال :ااااااااااااااااااااااه .. لا دا انا كنت مزنوق ودخلت افك نفسى .
تمت

تلك الرائحة

تلك الرائحة

منذ فترة.. بدأت أشم رائحة غير معتادة..و غير حميدة أيضاً..
أشمها في أي مكان و أي زمان.. كما لو كان خُبثاً قد أُلصق فوق شاربي..
لم أُعر الأمر اهتماماً كبيراً في البداية، لكن مع الوقت فاقت الرائحة كل احتمال و كل تصور..
الرائحة بأمانة مميزة جداً، لا تشبه أي رائحة معروفة حتى أستشهد بها، لكنها – وهذا كل ما أستطيع قوله- خبيثة بكل ما تعنى الكلمة.
لا يمكنك أن تجلس رائق البال و هذه الرائحة تزكم أنفك، و المصيبة أنك لا يمكن أن تبرر الاشمئزاز و(القرف) الباديان على وجهك لأي إنسان بأنك تشم رائحة قذرة..فسيظن أنك تسبه على الأرجح.. فهو لا يشم أي عفن من أي نوع.
ظننت أولاً أن البيت غير نظيف.. لكنني عدلت عن هذا الظن إذ أن الرائحة تلازمني في أي مكان أذهب إليه.
حاولت مقاومة الرائحة بشتى أنواع العطور.. غير أن ذلك لم يجد كثيراً..فالرائحة طاغية.. قد تتوارى ساعة لكنها تعود من جديد.
كل يوم أنام فيه على أمل أن أصحو فلا أشم تلك الرائحة البشعة، أو حتى أن أصاب بزكام يمنعني من الشم ولو مؤقتاً، لكن هيهات..فالكوارث لا تأتى لتذهب بلا خسائر.
تأثرت حياتي كثيراً بهذه المصيبة، من المؤكد أن تركيز أي فرد سيقل إن لم ينعدم لو كان مكاني.. فتأثرت عملياً بشدة.. حيث وجدت ضيق صدري يمنعني من اتخاذ قرارات صائبة مما أثر على أعمالي بشكل مدمر.. وواقع الأمر أن هذا ما دفعني للبحث جدياً عن حل لهذه المشكلة فقد تحولت من مزحة قدرٍ ثقيلة إلى كابوس فعلى يهدد حياتي ومستقبلي.
فكرت في البداية في استشارة طبيب.. وهو ما حدث فعلاً، غير أن (الدكتور) لم يستطع أن يفيدني بشئ يذكر.. كل ما فعله هو أن أكد لي أنني عضوياً سليم ولا يوجد أي مشاكل طبية ملموسة، وأن التفسير المحتمل لحالتي هي الهلاوس الحسية، وأن على استشارة طبيب نفسي.
وقتها كان مستحيلاً علي فعل شئ كهذا.. فلم أكن أقبل ذهابي لتلقى العلاج النفسي لأي سبب كان.
وبعد شهر بالضبط من ذلك القرار انتهت مقاومتي وقررت الذهاب ولو إلى جهنم من أجل حل هذه المأساة.
كان الرجل (الطبيب النفسي) وقوراً رزيناً وهو ما شجعني على الخوض معه في الكلام بلا حرج.. ولم يقتصر حديثنا علي شكوتي فحسب بل امتد ليشمل كل أوجه حياتي تقريباً حتى أوشك هو أن يعرف عني ما هو أكثر مما تعرفه زوجتي.
قال لي في النهاية أنني شخص حساس بشكل غير عادي.. هذه واحدة.. الثانية أنه يتوجب علي شكر الله تعالى أن كانت الهلاوس عن طريق الشم فلا شك أن هلاوس الإبصار أفظع وهى الأقرب للجنون الرسمي كما يقال.
الثالثة أن الرائحة المريعة التي أعاني منها باستمرار هي من دون شك، انعكاس لشئ مقيت موجود في عالمي و أنا متأثر به لدرجة عالية.. الرابعة-وهى المؤسفة- أنه وبعد كل حواري الطويل معه لم يقدر أن يحدد القذارة التي أعاني منها وسببت لي هذا العذاب.. والخامسة أنه برغم كل شئ يتوجب علي أن أراجع سجل حياتي وأحدد ذلك الشئ المنفر الراقد بين الضلوع.
و أعطاني في النهاية موعداً آخر للقاء ثان عله يفيد عن الأول.
لكنني لم أذهب.. أتعلمون لم ؟
لأنني عرفت من أين أتت الرائحة..
فبعدما انتهي اللقاء كنت متضايقاً بشدة، فآثرت التسكع في الطريق ساعة.
وبينما أنا في سيري و همي..
تأملت الناس.. تأملت كلامهم وأفعالهم وتصرفاتهم.. تأملت أنانيتهم وغطرستهم ورغباتهم..تأملت وربما لأول مرة تلك الرؤوس التي من التعقل فرغت.. والقلوب التي بالتكبر ملأت.
لحظتها فقط عرفت مصدر القذارة و أصل البلاء.

انتهت
11/7/2005

Friday, March 16, 2007

فى الانتظار

"فى الانتظار"


لم أكن شخصا محبوبا .. كان ذلك معروفا عنى.. و بإمكانك أن تتأكد ببساطة من أي جار لى أو قريب أو معرفة..

لم أكن ذلك الشخص الذى تستريح له .. أو لمجالسته أو حتى لأن تشترى من بقالته شيئاً، و لكن لأنها الوحيدة فى الشارع، فكثيرون يضطرون للقيام بمغامرة الشراء من عم موسى السمح و هو اسم محدثكم.

و بصفة غالبة أنا أعامل كل الزبائن على أنهم عملاء لمرة واحدة، بعكس المنطق المعروف جدا لأى تاجر، فالذى يشترى مضطرا مرة لا يكررها و لو صارت بقالة موسى السمح هى آخر بقالة فى العالم.

فأنا رجل صارم، لا أحب طلبة المدارس المراهقين لأنهم خبثاء ولا الشباب لأنهم متكبرون ولا الأطفال لأنهم متعبون ولا سيدات البيوت لأنهم مملون ولا العجائز لأن بالهم أطول من تيلة قطن الهند ولا أساتذة الجامعة لأنهم يرتدون البدل دوما ولا الأطباء لأنهم يمتصون دم الغلابة ولا الكهول لأنهم يطلبون كبريتا على طول الخط ...

فيما عدا تلك الفئات أنا على استعداد لتقبل الزبون بكل .. بنوع من الاحترام و التقدير، فبين كل حين و آخر يمن الله علي ببنت كالبدر أتت لتشترى شيئا ما.. لكن كالمعتاد فهى تأتى مرة واحدة فقط ..

و الحق أنى كنت أتساءل عن سبب الراحة التى تتبع حركة (غتاتة) على أحد الزبائن .. ربما كانت لذة السيطرة أو لذة النصر المؤقت أو لذة فعل ما أريد وقت ما أريد..

أيا ما كان الأمر، و برغم أن البقالة لم تعد مربحة جداً .. فأنا سعيد لما أنا عليه .. سعيد لكل مرة أتشاجر فيها مع أحد الزبائن المتعجرفين .. و سعيد لكل مرة أعطى فيها أحدهم قلما أحمر بينما هو يريد واحدا أزرق – و تلك هى حكمة أن تأخذ الفلوس أولا – و أكثر ما يطربنى هو نظرات الغل العاجزة التى أراها فى عيون ضحاياى، أو زبائنى السابقين ..


لم يكن لى من أصدقاء حقيقيين فى الشارع سوى الحاج جودة صاحب محل الأدوات الصحية المواجه لبقالتى .. كنا من نفس العينة تقريبا و إن كانت تجارته أكثر رواجا من تجارتى ..

على كل .. دارت الأيام بنا .. تغير لون ليالينا كما يقول العندليب .. و أبقى على حالى .. بدينا مرتديا جلبابى الأزرق و الشال الأبيض على كتفى .. مدليا رأسى على صدرى متمتعا بمداعبة شاربى الذى أبيض أكثره لخدودى التى لا لم تخل يوما من شعر الذقن الخشن .. مستمعا بإنصات إلى عبد الحليم.. منتظرا أن يرسل الله ضحية جديدة لا يعلم ما ينتظره تحت لافتة " بقالة موسى السمح"

و فى يوم لم تطلع له شمس، أتى شاب و جلس على الرصيف المجاور لبقالتى..

ربما لا يزعج هذا الأمر أيا منكم لو كان جلوس الشاب لمنفعة أو لمدة طبيعية..

لكن ملامح وجهه كانت تشى بانتظار لا شك فيه، إذاً فهو ينتظر أحد .. فتاه .. لا .. ما كان ليجلس على الرصيف لو كانت موعده مع فتاه، كل طفل تخطى العاشرة يعرف قواعد المواعدة أحسن من أبيه نفسه..

ربما كان فى انتظار أحد الرقعاء من زملائه.. لكن على كل .. أيا ما كانت هوية الشخص الذى ينتظره فلا يمكن أن تبرر جلوسه لثلاث ساعات كاملة بنفس الثبات و نفس درجة التأفف و نفس البرود ..

لا أحد يصبر فى انتظار أحد لمدة كتلك ..

لكن .. لأدقق فى ملامح الفتى .. فأنا أعرف من الوجه قصة حياة صاحبه .. إن لى فى ذلك حكايات أيام كنت فى الجيش .. ذكرونى أن أخبركم بها لاحقا ..


لم تكن ملامحه تشى بأى نوع من الخطر، لا يبدو أنه من أهل ذلك أبدا، بل على العكس كانت بسيطا هادئا نوعا، و لا تشى ملامحه الصريحة بشئ سوى الانتظار .. الانتظار الدءوب .. الممل ..


لا تتغير درجة انزعاج الفتى من تأخر ذلك الذى ينتظره، ذات الحركات .. النظر للساعة .. النظر للمارة .. للأرض .. للسماء .. لجانبى الشارع .. و لا شئ سوى ذلك .. كلها حركات عادية قد يؤديها كل من هو في موقعه إذا غاب من نواعده لربع ساعة مثلا .. لا لست ساعات حتى الآن ..


لم أعد أتحمل .. دنت الساعة من التاسعة مساءاً.. و حان ميعاد إغلاق المحل .. و لا زال ذلك الملعون جالسا باستكانة تثير الغيظ..

لم يكن يجلس على مقربة حتى انهره، مطالبا إياه بالذهاب بعيداً، و لكنه كان على مسافة بعيدة على الإدعاء بأنه مصدر ضيق لى، و إن كان فى مجال رؤيتى المباشرة..

أغلقت المحل بهدوء أعصاب منتويا أن أبدأ مشاجرة جديدة مع ذلك المأفون الذى حسب أن رصيف موسى السمح هو بلاج أو شاطئ للاستجمام ..

أمسكت بالعصا العزيزة و بالخنجر السعودى، و وضعته فى جيب الجلباب الخارجى .. لابد من الاحتياط لكل الاحتمالات، لا أعلم فربما كان للشاب سند لا أدريه..


بتماسك تام خطوت باتجاه الشاب .. ثم و بقسوة لا حد لها متعمدا إبراز أكبر حجم ممكن من الغلظة فى كلامى و نبراتى و لهجتى قلت : انت يلا ..

فالتفت ببساطة و هدوء لا يوصف و رد: نعم يا عم الحاج ..

بمنتهى الأدب و الرصانة و كأن منظر العصا المرفوعة و وجه حاملها الذى ينتوى الشر لا يهمه فى شئ ..

بصراحة، أحسست أن قدرا من الهدوء قد نال منى.. لا يمكن أن أصف مدى الهدوء و السماحة و الابتسامة بالغة الوقار و الثقة المهذبة و السلام النفسى الذى كان يبدو على وجهه فى تلك اللحظة التى كان يواجهنى ..

و فى لحظات، بدأت أتخلى عن رغبتى العارمة فى ضرب الفتى أو هدر كرامته على أقل تقدير .. و تدريجيا بدأ إحساس بالتعجب يحل محل الكراهية .. إحساس بالاستغراب و الاندهاش من تلك السلامة النفسية التى يتمتع بها ذلك الشاب ..

و طول الطريق إلى البيت لم أستطع منع نفسى من التفكير فيه و فى اللحظة الغريبة التى تحول فيها شعورى نحوه .. من الغيظ الى الاعجاب و التأمل ..

لم أكن أصدق أن إنسان ما من الممكن أن يملك ذلك القدر الخيالى من البراءة .. مستحيل.. كل كيانى كان يرفض بعنف أن يكون هناك بشر بتلك الملائكية البادية ..

لابد أن ذلك الفتى ممثل بارع جدا، و لا مراء أن قلبه هو عكس ما يبدو على وجهه .. لا زلت مؤمنا بقولة أبى رحمه الله "ماعدش حد أهبل فى الزمان ده"

فكرت و أنا فى منتصف الطريق أن أعود الى الفتى و ألا أبرحه إلا مصابا أو قتيلا .. لكننى عدلت عن الفكرة التى ستكلفنى – على الأقل - نوم ليلة كاملة .. و فكرت أن الأمر مهما طال فلن يتجاوز يوما ..

تصبحوا على خير .. إيه هتدخلوا معايا البيت كمان .. أما بجاحة صحيح ..

خخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخ


صباح الفل .. لا أدر سر السعادة التى تعترينى هذا الصباح ..

بينى و بينكم (قفشت) نفسى تفكر فى ذلك الشاب الذى كان يجلس طول اليوم بالأمس أمام المحل .. لم أسترح لأنه ترك ذلك التأثير فى نفسى من مجرد كلمة واحدة و موقف لم يتعد ثوان .. لكننى تصارحت مع نفسى فى نهاية الأمر فمهما بلغ تأثير الفتى فهو قد انتهى فلن أراه ثانياً أصلا .. و ربما كان هذا هو سر السعادة التى شعرت بها ذلك الصباح .. فلن أرى ( بوز الإخص ) هذا ثانية ..

لكن سعادتى تلاشت عندما وصلت للمحل .. و حل محلها ذهول لا حد له.. لقد كان الفتى لازال فى مكانه جالسا و قد بدت علامات إعياء السهر عليه .. لا زال جالسا فى نفس المكان بالضبط و بنفس درجة الانتظار ..

لم أجسر أن اكلمه هذه المرة.. فتحت المحل بصمت و جلست فيه مفكرا فى أمر تلك المصيبة التى هبطت من حيث لا أعلم ..

و أخذت أسترق النظر إليه شاعرا بعجز سخيف لم أعتده فى نفسى أبدا ..

لم أتخيل أننى الآن أخاف فتى فى نصف حجمى .. لمجرد أنه بسيط أكثر من اللازم .. و لأنه ينتظر أحدهم منذ 18 ساعة ..

كان وجوده ضربة لكيانى و شعورى بالسيادة .. فهدوؤه كان يثير غضبى .. و بساطته و تواضعه كانا يثيران غرورى ..

جلوسه ل 18 ساعة متصلة لينتظر كان يشعرنى بالضآلة و يهين إعتقادى بقدرتى على فعل ما أريد وقتما أريد ..

لم أكن أحسب أن إنسانا يمكن أن يتحدى بروتوكولات البشر و قواعد اللياقة و الأصول و المعقول و الطبيعى و المنطقى و يحطمها لهذه الدرجة ..

أطيل النظر خلسة .. ثم تنحرف عيناى عندما توشك على ملاقاة عيناه رغما عنى .. لا تجرؤ عيناى على مواجهة عيناه ..


و لم أتمالك نفسى من الابتسام المرير .. أنا موسى السمح الذي يخشاه هذا الشارع كبيره و صغيره .. يهاب من فتى ضئيل لأسباب أتفه من أن تشرح..


و لم أنتبه من تأملاتي إلا على مرأى الحاج جودة قادم نحوى و هو يختلس النظر للفتى ثم قال لى : إيه حكاية الواد ده ؟

فأجبت : أنا عارف !!!

فقال: مفيش بنى آدم عاقل يقعد مستنى حد يوم بحاله .. الواد ده باينه مجنون ...

رددت فى رهبة: مجنون ..

و بغتة أضاء جزء فى عقلى .. كانت الكلمة كما تبدو هى الحل الذى يفسر كل شئ بل و يعيد لى اعتبارى أمام نفسى .. لا حل سوى هذا .. ذلك الفتى مجنون لا شك فى ذلك ..

فقلت له: طب يلا بلغ العباسية و أنا هبلغ البوليس ..

فقال و ماله ..

و بعد دقائق كان الشارع على موعد مع أكبر تجمع شهده منذ مظاهرات 77، كان الضابط يستوجب الشاب فى قسوة بالغة

- انت قاعد ليه هنا من امبارح يلا ؟

+ قاعد مستنى واحد صاحبى ، بذات الهدوء و البرود و التسامح مع مسحة من الإرهاق الناجم عن السهر مما زاده براءة و رهافة و مما أزادنى غيظا و انتفاخاً!!!

  • صاحبك مين ؟؟

+ واحد صاحبى حضرتك ماتعرفوش !!!


و لم أعد أحتمل أكثر .. لم أكن أكترث أصلا لما يقول .. لم أعد أحتمل مرآه و وجوده .. لابد أن يبتعد هذا اللعين عن شارعى و عن عالمى .. لابد..

و صرخت : يا باشا الواد ده مجنون، و عهد الله مجنون ..

فسأل : ليه يا أخينا ؟

فقلت : دا طول الليل إمبارح قاعد خالع هدومه على الرصيف .. و كان عايزنى أغسلهاله

تعجب الناس طبعا، فقلت: الكلام كان بالليل قوى محدش غيرى كان موجود .. أقول له عيب يا بنى دا أنا قد أبوك .. يقول لى كلام كله هلفطة مالشرق على الغرب و يقول لى اغسلى خدامة أدب سيس خرسيس يللا علشان ماما مستنيانى قدام الأوبرج ..

ضحك كل الواقفين ضحكاً ممزوجا بالعجب و التشكيك فى أن يحدث هذا لموسى السمح نفسه ..

و أكملت: صدقنى يا باشا والله ..

و لم ينبس الفتى بكلمة، كل ما فعل هو أن اتسعت عيناه بشكل غريب، ربما كان التعبير الذى أراد أن يوصله .. هو الذهول أو الاحتقار أو الخوف أو الغضب أو كلها مجتمعة..

- أوبرج !! دا انت ليلتك زرقة .. و أشار لرجال المصحة إشارة كلها عزة و جلال: خدوه ..

و فى ثوان كان الفتى ملفوفا فى الدبلان الأبيض مجرورا إلى سيارة البوليس ..

و خلال دقائق كان الجمع قد انفض.. و عاد كل لحال سبيله بعد أن كسب كل منهم حكاية يحكيها لكل من لم يحضر أو يرى.. و يفسرها على هواه و يضيف عليها ما يضيف ..

و رغم أنني لا أظن أنى سوف أنسى نظرة الفتى إلى بينما يجرونه، لكننى أعلم أن الموضوع قد حل و أن ثقتي قد ردت..

أخيراً، سأجلس مستريح البال...


تمت

أحمد خليفة

كفر الشيخ 2004

الشراب

"الشراب"

"فين الشراب؟؟!!
يمكن يكون فى الغسيل.."
ازداد غضبى و اشتد غيظى و أنا أتساءل عن السبب الكونى الذى يصر على اختفاء الأشياء فى الوقت الذى نحتاجها فيه.
نظرت إلى الساعة التى تشير بوضوح إلى نصف ساعة كاملة من التأخر..
ذهبت لأبحث فى الغسيل مقدما السوء على الخير، و بالطبع لم أجده، فوقفت مفكرا فى كل الاحتمالات التى يمكن أن يكون ذلك اللعين قد ذهب إليها دون فائدة..
أبحث تحت السرير، تحت كراسى الصالة واحدا واحدا، يا رب إن الحياة عسيرة بما يكفى فلم تُصعبها أكثر بتلك الصغائر..
جلست على الأرض مفكرا، فعلا الحياة لا تحتمل، حتى ما يفترض أن يكون بسيطا و سهلا، يستحيل أن يمر دون مشاكل و معاناة و ألم، أنا أتفهم كيف تكون الحياة صعبة، لأنها ببساطة ليست جنة و لن تكون كذلك أبدا، "لقد خلقنا الإنسان فى كبد". لكن أن يبلغ الكبد حد أن يضيع الشراب، فذلك ما لم أتخيل و ما لن أقبل.

قمت مشتتا، عدت أبحث تحت السرير و تحت الكراسى عسى أن يكون هناك و لم أره فى المرة الأولى، عدوت ناحية الشرفة تفحصتها شبراً شبراً، و كالمعتاد عدت خالى الوفاض.

صرخت فى غيظ و جزع فى ذات الوقت، غيظ من حياة تأبى أن تكون رحيمة، و جزع من وساوس أخذت تنخر فى رأسى.

لماذا يجعل الله حياتى بذلك الضيق؟! لماذا كل ما فيها هو تعب فوق تعب و شقاء فوق شقاء؟! بينما آخرون يتمتعون بكل لحظة تمر عليهم بما هم فيه من مال و جمال و صحة؟

و حين أدعوه مخلصا فإنه قلما يستجيب .. لماذا؟ لأنه لابد من كدح فى العبادة و ابتهال فى التضرع و اجتهاد فى الإيمان حتى يقبل الله الدعاء .. و أنا لا أقدر و لا أريد..

و كيف لى أن أريد و أنا الذى لم أتعود؟! لقد خلق الله لنا آباءنا و أسماءنا و علمنا و فهمنا و مداركنا و كل شئ ساهم فى تكويننا، ثم يحاسبنا بعد ذلك على الاستقامة و صدق الإيمان، كيف؟؟

نفضت رأسى طاردا تلك الأفكار، و زفرت بحرقة، ثم عضضت على نواجذى عازماً أن أعثر على هذا الوغد و لو كان فى فم أسد..

جلست أفكر بصبر فى آخر مرة خلعته فيها .. لقد عدت من الخارج منهكاً كالمعتاد و نمت مباشرة على هذه الأريكة .. آآآه لابد أننى وضعته دون أن أدرى بداخل ذلك التجويف الذى كثيراً ما أحب أن أضع فيه أى شئ..

مددت يدى داخله، إن التجويف عميق نوعاً و يحتاج إلى أكثر من محاولة لمسحه بالكامل..

لا شئ، أخرجت عدة أوراق كنت قد دسستها فيه منذ زمن و نسيتها، أخرجت قلماً (روترنج) و ورقة لأذكار الصباح و المساء و قفل حقيبة سفر و سلكاً و لا شئ أكثر ..

صرخت بأعلى صوتى، لم يعد الأمر مجرد شراب ضائع بل صار ما هو أكثر بمراحل، صار حدثا يمس جوهر حياتى.. لماذا أنا بالذات يا رب؟ أنت تعلم ما أنا فيه من هم و كرب لأنك من ابتليتنى به، و لطالما دعوتك أن ترفعه عنى فأبيت إلا أن تزيده..

أم يا ترى أنا فى النار و عذابى يتضمن أن لا أعرف ذلك؟ ما أقساه من عذاب!! أن تظن أن فى حياتك عدل بينما هى عقاب، أن تحاسب على أعمال لا تذكرها و أن تعيش آلام دنياك حاسبا أنك ستجزى خيراً فى الآخرة بينما هى فى الحقيقة تكفير عما أذنبت فى الدنيا.

حاولت أن ابتسم ملطفا من أمر نفسى التى ثقلت بغم فظيع، لكن غضبى لم يهن ذرة.

قررت أن أخوض محاولة بحث أخيرة، راجعت فيها كل الأماكن التى بحثت فيها، ثم اتخذت قرارا مصيريا..

سأخرج بدون شراب !!

لعنة الله على كل جوارب العالم و على كل ما فيها من ملابس، أكل هذا الألم من أجل شئ تافه، و لا حتى من أجل شئ مهم، إن الحياة أغلى و أهم من كل ألم و حزن و غضب.

قمت مصمما على ارتداء الحذاء، أمسكت بأول فردة ثم رأيت الوغد مستقراً هناك..

فى قدمى!!

كل ذلك الوقت و هو هناك مطمئن البال لا يدرى ما سببه لى و لا يظن نفسه مذنباً..

ابتسمت بمرارة و اغرورقت عيناى بدموع قليلة، و قلت : "و لو...."

ثم خلعته بعنف و ألقيته بعيداً، و ارتديت الحذاء بدونه..

و خرجت مرتاح البال..

تمت بحمد الله تعالى

النسخة الثانية

القاهرة فى 26/2/2007

،

هالة

(هالة)

لمرة أخرى، كنت أجلس على مقعدى المفضل فى الكازينو النيلى الذى اعتمد عليه فى اجتلاب بعض الهدوء إلى حياتى الصاخبة. كوب العصير الذى لم يتغير منذ أعوام .. السيجارة الوحيدة التى أدخنها يوميا فى نفس المكان .. مجلة عالم الكيمياء الصادرة هذا الأسبوع، و مزاجى الشارد كالعادة فى المستقبل الذى لم يتبق منه الكثير.

أحيانا أجتر فى هذه الجلسات بعض ذكريات الماضى الذى اجتهدت فيه حتى أجلس فى يوم و أدعى لنفسى أنه كان مجيداً .. بكالوريوس العلوم قسم الكيمياء .. عضوية الحزب .. رئاسة شعبة الكيمياء .. عضوية لجنة السياسات بالحزب .. مكتب تنمية الموارد البشرية .. إلخ

لا أظن حياتى كانت سيئة، لقد أثبت لنفسى و للناس أننى إنسان ناجح بكل الصور و على كل المستويات، حتى حياتى العائلية كانت هادئة مستقرة و ناجحة أيضا إلى أقصى حد، تزوجت من سيدة مجتمع فاضلة قبلت أن تعتكف الاجتماعيات و تكرس نفسها لبيتها و لى.

كل شئ كان موفقا فعلاً..

لكن قلقا استبد بى فجأة و أضاع الصفاء الذى كنت أرتع فيه، أظننى أعرف تلك المرأة هناك .. أجل إنى أعرفها تماماً !.. تراجعت فى مقعدى بينما عيناى مثبتتان عليها فى دهشة، و باستسلام كامل تركت عقلى يستعيد كل التاريخ الذى ارتبط بهذه المرأة و يضعه بعنف أمام وعيى.

كانت هذه السيدة بنتا يوما ما، و كانت تدرس كغيرها فى المدرسة الثانوية الوحيدة بقريتها و التى كانت أيضا مدرستى .. لا زلت أذكر لليوم جلسات الأولاد التى كانت سير البنات تقتحمها و تستولي على أغلب أحاديثها، كان لكل ولد تقريبا فتاة يدعوها خطيبته و يحكى لنا عنها فى عمر يحاول أن يسرق بعض اللهو من الزمن قبل أن يلج مطحنة الحياة.

كان اسمها هالة .. و لا زلت أجهل حتى الآن الكيفية التى أدركت بها فجأة أنها هناك!، كنت أراها كثيرا بحكم الدراسة و تحدثنا أكثر من مرة، لكننى لا أعلم لماذا أدركتها نفسى فجأة و بدون مقدمات على الإطلاق، لماذا التفتت لما فيها من .. من .. لا أعلم! لكننى أذكر أننى استيقظت يوما فوجدتنى عاشق حتى النخاع ..

بالتأكيد عاشق .. فلو لم يكن العشق هو هذا الذى أشعر به، فماذا يكون؟

حين أراها فإنى أنسى كل شئ فعلاً، تتحول الدنيا إلى أوهام و تكون هى الحقيقة الوحيدة بها، كل نظرة أظفر بها منها تكون لها معنى و قيمة و سر لا يفهمه سواى، كل مرة أرى ابتسامتها أكاد أطير من الفرح لفرحها و أكاد أموت من الحزن لعلمى أن البسمة ستزول. كل كلمة تصدر منها موجهة لشخصى تعنى فجرا يشرق فى حياتى و نورا به أهتدى، أحث أذناى على السمع عساها تظفر بكلمة أخرى و آه حين تنطق اسمى .. فذلك حدث جسيم، أحفظه بصوتها و أدعو كى لا أنساه و أكبر و أتعاظم و أجتهد كى أبدو جميلا رائعا كإسمى كما تنطقه هى. و آه حين أرى اسمها مكتوبا .. أكاد أقسم أنه ليس اسما كبقية الأسماء، إنه كيان تام كامل لا يحتاج أحرف و لا همزات و لا نطقا و لا فهما كى يدركه الناس، إنه حى كما الناس أحياء أو أكثر.

كنت أشعر عند رؤيتها أن كل ما كتبه الشعراء عن هذا الذى أنا فيه أتفه من أن يصفه حق الوصف، حقا هو شئ يختلف، هو لغز أسمى من الحياة نفسها فكيف نفهمها خلال حياتنا الدنيا.
لم أكن أعرف ما أبغيه منها، فتلك قيمة لم تخلق كى يكون لها هدف أو مصلحة أو مغزى، إنها تسمو فوق الكلمات و الصفات لتغدو كونا مستقلا تأتينا منه كل رحمة الدنيا و كل جمالها. لم أكن أفكر فيها كزوجة و لا كحبيبة و لا كأى صفة قرابة مما اصطلحنا على تسميته كنت أفكر فيها على أنها (هالة) و لا شئ أكثر.

لكن حلما بهذا الجمال لم يدم للأبد، و لم يكن له أن يدوم .. ربما لو دام لما كان بتلك الروعة ..
ففى يوم وجدتهما جالسين، متناغمين، متلازمين، يضحكان سوياً فى سلام يحسدهما عليه أي إنسان..
كان اسمه أحمد، و قد كان صديقاً لى، و كان شخصا عزيزا و انسانا نبيلا .. ليس من أهل التشاجر و لا من أهل النميمة و لا يذكر أحد منا أنه سبه أو ذمه أو آذاه فى شئ .. شخص يبتسم على الدوام و يلهم كل من يراه التفاؤل و اشتهاء الحياة. و بلا جدال قد كان أحق بملهمة الحياة منى.
كنت أتمنى من أعماقى أن أكرهه و أكرهها لكننى لم أستطع .. رجل صالح و فتاة طيبة .. هكذا هما و ليس لى عليهما حجة..
و كما استيقظت فى يوم لأجدنى عاشق .. استيقظت فى يوم لأجد النار التى أرتنى سر الحياة قد خبوت و بهتت و أنا عاجز عن إنقاذها بل إنى فاقد للرغبة فى ذلك.

و ضاع أغلب اهتمامى بها و به و مضيت أبنى نفسى و مستقبلى بينما طويت قصتى مع هالة من قبل أن تكتب.
لكن اليوم .. تذكرت الحقيقة التى تناسيتها زمنا، و تذكرت نفسى التى اختبأت خلف طموحات لا تتوقف و تذكرت حلما عز أن يدوم، الآن فقط أرى كل الماضى بشكل جديد.. لم أعد أراه مجيدا و لا فريدا.. صرت أراه هباءاً بلا معنى أو غرض أو هدف..
تذكرت كل ما ارتكبت من اجل ارتقاء المناصب فى الحزب .. تذكرت كل أعمالى من أجل رئاسة النقابة .. تذكرت زواجى الذى اضطررت إليه حين كان أخو زوجتى أمينا للحزب..

تذكرت كل لحظات التخطيط و التدبير و الصبر الماكر .. تذكرت كل نظرة و لمسة و همسة خبيثة مرت بى..

حتى الحاضر صار عفنا يفوح بالسخف و الإسفاف و لا يشي إلا بعبث فوق عبث ..
الآن ليس لكل ذلك أى قيمة.. لم أعد أفهم حتى كيف عملت كل هذا الوقت، أأنا حقا بهذه القوة؟ أم بهذا الشرور؟
حين لمحت قبسا من النور الذى أنار دنياى يوما أدركت زيف كل ما أنا فيه من أضواء.
كانت هى قد غادرت منذ زمن و أنا لا زلت أحدق فى بوابة الخروج..
رن الهاتف.. لمحت اسم المتصل (أمين لجنة السياسات) .. ابتسمت أعماقى ساخرة و إن عجزت شفتاى عن ذلك ..
ضغطت على زر (صامت) و قمت لا ألوى على شئ..

تمت بحمد الله
أحمد خليفة
2/6/2007