Friday, March 16, 2007

زيارة السيد الرئيس

أخيرا وصل ..
بعد حوالي شهر كامل من تجهيز المدرسة و تدريب جميع العاملين بها على حسن الاستقبال و تعليق الرايات .. الخ
و البداية كانت عندما بلغ السيد عبد الله هدهد مدير عام المدرسة ، إخطاراً من الوزارة أن سيادة الرئيس سيقوم بزيارة المدرسة ضمن زيارته المقررة للمحافظة يوم 11/11 .
و من يومها ولشهر كامل بعد كانت الاستعدادات تجرى على قدم وساق من اجل اليوم المرتقب .
كان السيد عبد الله موقن أن تلك الزيارة سوف تغير مصير حياته كلية ، فإن نجحت فربما يصبح وكيلا للوزارة ، و إلا فربما لا يصبح شيئا أصلا .
والنجاح رهن رضي الرئيس .. أما الفشل فهو قرين سخطه ..
لذلك صار عصبيا جدا ومتشددا مع الجميع ، فلم يكن لديه أي استعداد أن يضحى بفرصة العمر من أجل طفل لم يجد حفظ نشيد الاستقبال .
ولكن على كل حال هاهي تلك الأيام العصيبة قد ولت وهاهو سيادة الرئيس يدخل المدرسة وسط حفاوة بالغة كما يُقال .
طبعا لزم الطلاب فصولهم ، وكل المدرسين الغلابة كذلك ، أما الوكلاء والنظار فكانوا في لجنة استقبال الرئيس التي يترأسها طبعا الأستاذ عبد الله .
ما لم يعلمه أ/ عبد الله وهو يستقبل الرئيس أن محمد خيري جمعة الطالب بالصف الثالث الثانوي كان يفكر فيما لو أمكنه إحضار بندقية أو مسدس أو حتى (نبلة) تمكنه من إصابة الرئيس لو سنحت له فرصة رغم إدراكه استحالة ذلك ..
لم يكن مستحيلا لبراعة الحرس الخاص بالرئيس .. و لم يكن مستحيلا لأنه لا يجرؤ عليها .. و إنما كان مستحيلا لأنه لم يتصور أن الرئيس سوف يدخل أي فصل .. و إن دخل فمن المستبعد أن يكون فصله هو دون خمسين فصل آخر تكون المدرسة .
في الغالب – كما توقع – سيمر على المعامل التي أخذت تُنظف لأسابيع و ربما المسرح ثم يتجول قليلا في الفناء ثم .. يغادر .
و في المساء تأتى نشرة التاسعة لتنقل خبر زيارة الرئيس للمحافظة و أن سيادته قد تفقد خلال الزيارة مدرسة كذا و أنه اطمئن على حسن سير العملية التعليمية وأنه تأكد من أن كل شئ تمام التمام ..
لم يكن محمد ممن يحبون الرئيس ..
كان من أولئك الذين ضنوا عليه بالنفاق ..
كان يعتبر نفسه مشروعا للثورة التي ستغير كل شئ ..
كان يتمنى أن يُعتقل .. أن يُضرب ويُهان .. وأن يحتمل من أجل الفكرة ..
أي فكرة ؟
فكرة أن يثور .. أن يقوم .. أن يقول لا ..
كان محمد يحلم بالأيام التي سيقضيها في الزنزانة وحيدا .. يكتب خواطره على ورق اصفر .. ويحلم بالأيام التي سيقضيها يجمع الناس ويشكل الخلايا ..
كان خياله يسرح به أحيانا فيحس انه يخطب في الناس ويحثهم على النضال من أجل حريتهم .. أنه البطل الموعود الذي بعثه الله بالحق لينصر الفقراء و يُعز المستضعفين .. إنه المهدي .. و لم لا؟ أليس اسمه محمد ؟ .. ألم يقرأ في كتابٍ أن المهدي سيظهر في بلد غربي الجزيرة وأن اسمه اسم النبي (ص) محمد ؟
كلما مرت عليه أيام كان محمد يزداد إيمانا بأنه المهدي .. وأنه وحده أمل الناس و رمز حريتهم ..
و اليوم كان محمد جالسا في فصله يسرح في تلك الأفكار و الكل من حوله يحاول النظر من النافذة ليظفر بمرأى الزعيم الذي لبث في السلطة دهرا ..
و لهم حق فهو رمز الدولة الذي تفتحت عيونهم فقالوا لهم هذا رئيس الجمهورية .. سيد الشعب إن كان يقول العكس .. بيده مصير الخلائق و إن ادعى انه خادمهم ..
كان العَلم هو عَلم الرئيس و القصر هو قصر الرئيس والحزب هو حزب الرئيس و.. و .. و ..
إن حياتك نفسها ليست لك .. إنها ملك الرئيس ..
إلا أن محمد .. لم يقبل من زملائه ذاك الفعل المشين .. كان يعتبرهم أطفالا لا عقل لهم ولا رأى .
تمر الدقائق بطيئة بين مزاح وجد ..
الأستاذ صلاح يحاول السيطرة على الفصل بلا جدوى ..
ثم فجأة .. يصيح احد الطلبة : الحق ياله دا باينه جاى على هنااااااااااااا ..
تكالب الكل على النوافذ محاولين التأكد من ذلك الخبر الرهيب ..
الكل .. كل الطلبة ومعهم الأستاذ صلاح ..
الكل إلا واحداً .. طبعا محمد الذي كان يجلس مسترخيا .. تزداد ثقته بأن الرئيس لن يأتي .. و يزداد يقينه بحماقة رفاقه ..
و دون أن يدرى اخذ يخط أبياتا من الشعر على قصاصة ورق

"
فــي لـَيْـلــَــةٍ مــِــنْ حـَالـِـــكِ الـلـيـْــــلاتِ . . .

صـَلـَّيـْــــتُ ثــُــمَّ نِـمـْـــتُ فــي سـُبـَــــاتِ . . .

وَجـَــــدْتُ سِـبـْحـَـــة َ الـرَّئِـيــــس ِ

فــــي يــَــدي . . .

قـَـــرَّرْتُ ذِكـْــــرَ الله ْ. . .

أمـْسَـكـْـــتُ بـالـحـَبـَّـــــاتِ . . .

وَجـَدْتـُنـِــــي أقــُـــولُ : " ذاتـِـــي

ثــُــمَّ ذاتـِــي ثــُـمَّ ذاتــِــــي . . ." ! ! ! ! ! ! !

و بـَعـْـدَهــَـــــا كــَــــرَّرْتُ وِرْدَا ً آخــَــــــرَا ً . . .

فـَقـُلـْتـُهــَـــــــا : " لـَذ َّاتــِــــــي . . . "

كـَرَّرْتـُهــَــــــا ألـْفــَـــــا ً مــِـــــنَ

الـمـَـــــرَّاتِ . . .

ثــُـــمَّ انـْـتـَبـَهــْـــــتُ فـَجــْــــــأة ً . . .

و قــُلــْـــــتُ : " ذَاكَ حـُلـْـــــمُ لـَيــْــــل ٍ

سـَـــــئٍّ مــَــــا أقـْبـَحــَـــــهْ . . .

هـَــلْ يـَمْـلـُــكُ الـرَّئِـيـــسُ – أصـْـلا ً –

مِـسـْبـَحــَـــهْ . . . ! ! ! "

لم يتمالك نفسه من الابتسام .. الرئيس على بعد أمتار منه و هو يكتب ما يوازى نعيا لنفسه و شهادة وفاة ..
فجأة .. وجد كل من حوله يصمت و يهرول إلى مكانه .. حتى الأستاذ صلاح .. الكل يعود إلى مكانه يحاولون تنظيم الفوضى دون جدوى .
يبدو إن شيئا يحدث ..
ثوان ٍ .. ثم بدأ محمد يلمح قمة رأس تبدو من خلف النافذة .. تلتها أًخَر ..
اتسعت عيناه ذهولاً .. لم يصدق انه فعلها .. لم يصدق أن الرئيس قد صعد حتى الطابق الرابع ..
رُغم سنوات عمره التي تخطت السبعين بكثير .. لا زال قويا .. سليما .. موفور الصحة ..
لم يكن يحسب إطلاقا انه سيصل إلى هنا ..
و فجأة انتبه إلى ما بيده ..
اتسعت عيناه هلعا ..
لم يتمالك نفسه .. لم يًُضع وقتا .. وفي لحظات كانت الورقة فُتاتا و كان الفتات يطير في الهواء خارج الفصل ..
لم يجد الوقت حتى كي يفكر فيما فعل .. ففي ثوان دخل الرئيس ..
هب الجميع واقفا .. و بدا محمد كمن وجد نفسه في قلب الفيلم الذي كان يشاهده منذ دقائق .. لم يستطع أن يجارى تلك المفاجأة التي هزت كيانه .. كان جسده لا يزال ينتفض من تأثير الصدمة و الهلع الذي استبد به منذ لحظات قليلة ..
كان يفكر مضطربا في مصير الفتات الذي صارت إليه الورقة .. هل ستستطيع المباحث تجميعها ؟ .. و لكن .. ما أجمل (كرافتة) الرئيس ..
تدريجيا بدأ سحر الموقف يزيل قلق الشاب .. و بدأ ينتبه أكثر لخصوصية الموقف ، و أنه على قيد خطوات من الرئيس .. يقف أمامه يراه رؤى العين ..
كان مبتسما .. يتقدم بثقة و خيلاء ..
انه يتقدم ..
انه يتقدم ..
انه يتجه ..
إليه !
إلى محمد !
انه ينظر إليه هو بالذات .. وقف أمامه ثم ابتسم أكثر و قال : اسمك ايه يا بطل ؟
ابتلع محمد ريقه ثم قال بأقصى ما استطاع أن يتصنع من الهدوء : محمد خيري ..
زادت ابتسامة الرئيس عرضا وقال : ايه مالك ؟ انت معملتش الواجب ولا ايه ؟ ........
أخذ كل من حوله يضحك تقديرا لطُرفة الرئيس .. يضحكون من قلوبهم .. يستشعرون عظمة الرئيس .. ثقة الرئيس .. ظُرف الرئيس !
إلا أن محمد ابتسم ببساطة و قال بلا نبرة : لا لا أبداً ..
ربت الرئيس على كتفه مشجعا ثم استدار هو ومن حوله و خرج من الفصل ..
و بمجرد خروجه واطمئنان الجميع على انه ابتعد بمسافة كافية .. هرع الكل لمحمد يهنئونه و يسألون نفس الأسئلة : هو قاللك ايه ؟ و انت قلتله ايه ؟
الكل صار يهنئه .. الكل صار حوله .. الكل صار يحبه ..
الكثير من عبارات : ايوه يا عم .. و ماشئ يا سيدى ....الخ
حتى عند نهاية اليوم الدراسى ظلوا ملتفين حوله .. يسألونه ويهنئونه و يحسدونه ..
و عندما وصل للبيت أخبر أبيه و أمه .. التى أطلقت ( زغرودة ) عالية .. وجعلت همها بقية اليوم إعلام الجيران بأن ابنها سلم على سيادة الرئيس
استمرت عاصفة التهانى أسبوعا كاملا .. و فى يوم بينما كان الاستاذ جمال استاذ اللغة العربية الذى انتُسِب حديثا للمدرسة يصحح مواضيع التعبير .. لفت نظره موضوع فى كراسة بلا اسم ..
لا لجمال الأفكار ولا لجودة الاسلوب .. و إنما لرداءة الخط وشدة ( استهبال) من كتب الموضوع فلم يعتن بعلامات الترقيم أو سواها ..
و بما أن الاستاذ جمال أزهرى التعليم .. فلم يكن يطيق تلك الاخطاء الفظيعة ..
رفع الكراس عاليا و صاح : كراسة مين دى ..؟
صمت الجميع .. يبدو ان شخصا سينال قدرا لا بأس به من (التهزيئ)
لم يجب أحد .. فكرر أ/جمال هادرا : كراسة مين دى ؟
وهنا انتبه محمد للكراسة و أدرك أنها كراسته .. فرفع يده قائلا : انا يا استاذ جمال ..
التفت له أ/جمال بحدة ثم لانت نظرته عندما رآه و قال : الله انت مش محمد خيرى ؟
فرد : ايوه ..
-
انت اللى كنت سلمت ع الريس ؟
-
ايوه
اطرق أ/جمال ناظرا للكراس و قال : ابقى حسن خطك يا محمد .. يلا يا سيدى 6 من 6 محدش بياخدها ...
ابتسم محمد بلا معنى ..
ثم نظر لصورة الرئيس المعلقة أعلى السبورة .. أخذ يتأمل فيها لحظات بينما ابتسامة امتنان عميقة تتكون على شفتيه ..
و بصوت خفيض قال : سيادة الرئيس ..
ثم أخذ شهيقا وأكمل : شكرا لك .......
تمت

No comments: