"الشراب"
"فين الشراب؟؟!!
يمكن يكون فى الغسيل.."
ازداد غضبى و اشتد غيظى و أنا أتساءل عن السبب الكونى الذى يصر على اختفاء الأشياء فى الوقت الذى نحتاجها فيه.
نظرت إلى الساعة التى تشير بوضوح إلى نصف ساعة كاملة من التأخر..
ذهبت لأبحث فى الغسيل مقدما السوء على الخير، و بالطبع لم أجده، فوقفت مفكرا فى كل الاحتمالات التى يمكن أن يكون ذلك اللعين قد ذهب إليها دون فائدة..
أبحث تحت السرير، تحت كراسى الصالة واحدا واحدا، يا رب إن الحياة عسيرة بما يكفى فلم تُصعبها أكثر بتلك الصغائر..
جلست على الأرض مفكرا، فعلا الحياة لا تحتمل، حتى ما يفترض أن يكون بسيطا و سهلا، يستحيل أن يمر دون مشاكل و معاناة و ألم، أنا أتفهم كيف تكون الحياة صعبة، لأنها ببساطة ليست جنة و لن تكون كذلك أبدا، "لقد خلقنا الإنسان فى كبد". لكن أن يبلغ الكبد حد أن يضيع الشراب، فذلك ما لم أتخيل و ما لن أقبل.
قمت مشتتا، عدت أبحث تحت السرير و تحت الكراسى عسى أن يكون هناك و لم أره فى المرة الأولى، عدوت ناحية الشرفة تفحصتها شبراً شبراً، و كالمعتاد عدت خالى الوفاض.
صرخت فى غيظ و جزع فى ذات الوقت، غيظ من حياة تأبى أن تكون رحيمة، و جزع من وساوس أخذت تنخر فى رأسى.
لماذا يجعل الله حياتى بذلك الضيق؟! لماذا كل ما فيها هو تعب فوق تعب و شقاء فوق شقاء؟! بينما آخرون يتمتعون بكل لحظة تمر عليهم بما هم فيه من مال و جمال و صحة؟
و حين أدعوه مخلصا فإنه قلما يستجيب .. لماذا؟ لأنه لابد من كدح فى العبادة و ابتهال فى التضرع و اجتهاد فى الإيمان حتى يقبل الله الدعاء .. و أنا لا أقدر و لا أريد..
و كيف لى أن أريد و أنا الذى لم أتعود؟! لقد خلق الله لنا آباءنا و أسماءنا و علمنا و فهمنا و مداركنا و كل شئ ساهم فى تكويننا، ثم يحاسبنا بعد ذلك على الاستقامة و صدق الإيمان، كيف؟؟
نفضت رأسى طاردا تلك الأفكار، و زفرت بحرقة، ثم عضضت على نواجذى عازماً أن أعثر على هذا الوغد و لو كان فى فم أسد..
جلست أفكر بصبر فى آخر مرة خلعته فيها .. لقد عدت من الخارج منهكاً كالمعتاد و نمت مباشرة على هذه الأريكة .. آآآه لابد أننى وضعته دون أن أدرى بداخل ذلك التجويف الذى كثيراً ما أحب أن أضع فيه أى شئ..
مددت يدى داخله، إن التجويف عميق نوعاً و يحتاج إلى أكثر من محاولة لمسحه بالكامل..
لا شئ، أخرجت عدة أوراق كنت قد دسستها فيه منذ زمن و نسيتها، أخرجت قلماً (روترنج) و ورقة لأذكار الصباح و المساء و قفل حقيبة سفر و سلكاً و لا شئ أكثر ..
صرخت بأعلى صوتى، لم يعد الأمر مجرد شراب ضائع بل صار ما هو أكثر بمراحل، صار حدثا يمس جوهر حياتى.. لماذا أنا بالذات يا رب؟ أنت تعلم ما أنا فيه من هم و كرب لأنك من ابتليتنى به، و لطالما دعوتك أن ترفعه عنى فأبيت إلا أن تزيده..
أم يا ترى أنا فى النار و عذابى يتضمن أن لا أعرف ذلك؟ ما أقساه من عذاب!! أن تظن أن فى حياتك عدل بينما هى عقاب، أن تحاسب على أعمال لا تذكرها و أن تعيش آلام دنياك حاسبا أنك ستجزى خيراً فى الآخرة بينما هى فى الحقيقة تكفير عما أذنبت فى الدنيا.
حاولت أن ابتسم ملطفا من أمر نفسى التى ثقلت بغم فظيع، لكن غضبى لم يهن ذرة.
قررت أن أخوض محاولة بحث أخيرة، راجعت فيها كل الأماكن التى بحثت فيها، ثم اتخذت قرارا مصيريا..
سأخرج بدون شراب !!
لعنة الله على كل جوارب العالم و على كل ما فيها من ملابس، أكل هذا الألم من أجل شئ تافه، و لا حتى من أجل شئ مهم، إن الحياة أغلى و أهم من كل ألم و حزن و غضب.
قمت مصمما على ارتداء الحذاء، أمسكت بأول فردة ثم رأيت الوغد مستقراً هناك..
فى قدمى!!
كل ذلك الوقت و هو هناك مطمئن البال لا يدرى ما سببه لى و لا يظن نفسه مذنباً..
ابتسمت بمرارة و اغرورقت عيناى بدموع قليلة، و قلت : "و لو...."
ثم خلعته بعنف و ألقيته بعيداً، و ارتديت الحذاء بدونه..
و خرجت مرتاح البال..
تمت بحمد الله تعالى
النسخة الثانية
القاهرة فى 26/2/2007
1 comment:
I wrote this story for the first time five years ago. Unfortunately, the original story lost, yet I decided to rewrite it again. However, I still believe that the old one was much better.
Post a Comment